ابن شعبة الحراني

70

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم حين لا يقال به . ( 1 ) أي بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا ( 2 ) ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن أن يعجل بي أجلي ( 3 ) دون أن أفضي إليك بما في نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور ( 4 ) ، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما القي فيها من شئ قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته ( 5 ) فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك منه ما ربما أظلم علينا فيه ( 6 ) . أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم ، بل كأني بما انتهى إلى من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضره ، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله وتوخيت لك جميله ( 7 ) وصرفت عنك

--> ( 1 ) في النهج " ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه " . وذلك تنبيه على أن من العلوم ما لا خير فيه وهي التي نهت الشريعة عن تعلمها كالسحر والكهانة والنجوم والنيرنجات ونحوها . ( 2 ) في النهج [ إني لما رأيتني قد بلغت سنا ] . ( 3 ) في النهج [ بادرت بوصيتي إليك وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلى ] . ( 4 ) إشارة إلى أن الصبي إذا لم يؤدب الآداب في حداثته ولم ترض قواه لمطاوعة العقل وموافقته كان بصدد أن يميل القوى الحيوانية إلى مشتهياتها وينجذب في قياد هواه إلى الاشتغال بها فيفتنه ويصرفه عن الوجه الحقيقي وما ينبغي له فيكون حينئذ كالصعب النفور من الإبل . ووجه التشبيه أنه يعسر حمله على الحق وجذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور وتصريفه بحسب المنفعة . ( 5 ) وذلك ليكون جد رأيك أي محققه وثابته مستعدا بقبول الحقائق التي وقف عليها أهل التجارب وكفوك طلبها . والبغية بالكسر : الطلب . وفى بعض النسخ [ تعقله وتجربته ] . ( 6 ) استبان أي . ظهر وذلك لان العقل حفظ التجارب وإذا ضم رأيه إلى آرائهم ربما يظهر له ما لم يظهر لهم . ( 7 ) النخيل : المختار المصفى . وتوخيت أي تحريت .